زكريا القزويني
327
آثار البلاد واخبار العباد
عديم النظير في صنعته ، لم يوجد مثله لا قبله ولا بعده ، فإن الكتابة العربيّة كانت بطريقة الكوفيّة ثمّ إن الوزير أبا الحسن بن مقلة نقلها إلى طريقته ، وطريقته أيضا حسنة ، ثمّ إن ابن البوّاب نقل طريقة ابن مقلة إلى طريقته التي عجز عنها جميع الكتّاب من حسنها وحلاوتها وقوّتها وصفاتها ، ولا يعرف لطافة ما فيها إلّا كبار الكتّاب ، فإنّه لو كتب حرفا واحدا مائة مرّة لا يخالف شيء منها شيئا لأنّها قلبت في قالب واحد ، والناس كلّهم بعده على طريقته . توفي سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة . وينسب إليها أبو نواس الحسن بن هانىء . كان أديبا فصيحا بليغا شاعرا أوحد زمانه . حكي أن الرشيد قرأ يوما : ونادى فرعون في قومه قال : يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون ؟ فقال : اطلبوا لي شخصا أنذل ما يكون حتى أولّيه مصر . فطلبوا شخصا مخبّلا كما أراد الخليفة ، فولّاه مصر وكان اسمه خصيبا . فلمّا ولّي أحسن السيرة وباشر الكرم وانتشر ذكره في البلاد حتى قيل : إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا * فأين لنا أرض سواه نزور فتى يشتري حسن الثّناء بماله * ويعلم أنّ الدّائرات تدور فقصده شعراء العراق وأبو نواس معهم وهو صبي ، فلمّا دنوا من مصر قالوا ذات يوم : نحن من أرض العراق وندخل مصر فلا يأخذن علينا المصريون خطأ أو عيبا ! ليعرض كلّ واحد منّا شعره حتى نعتبره ، فإن كان شيء منها محتاجا إلى إصلاح أصلحناه . فأظهر كلّ واحد ما معه على القوم ، فقالوا لأبي نواس : هات ما عندك . فقال : عندي هذا : واللّيل ليل والنّهار نهار * والبغل بغل والحمار حمار والدّيك ديك والدّجاجة زوجه * والبطّ بطّ والهزار هزار